الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

260

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأسلوب حيال دعوة موسى ( عليه السلام ) ، إذ تركتم البحث في أدلة نبوته وعلائم بعثته ورسالته ، فابتعدت عنكم أنوار الهداية ، وظلت قلوبكم سوداء محجوبة عن إشعاعاتها الهادية الوضاءة . الآية الكريمة التي تليها تعرف " المسرف المرتاب " بقول الله تبارك وتعالى : الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ( 1 ) . هؤلاء يرفضون آيات الله البينات من دون أي دليل واضح من عقل أو نقل ، بل يستجيبون في ذلك إلى أهوائهم المغرضة ووساوسهم المضلة الواهية ، كي يستمروا في رفع راية الجدل والمعارضة . وللكشف عن قبح هذه المواقف عند الله وعند الذين آمنوا ، تقول الآية : كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ( 2 ) . ذلك لأن الجدال بالباطل ( الجدال السلبي ) واتخاذ المواقف ضد الوقائع والآيات القائمة على أساس الدليل المنطقي ، يعتبر أساسا لضلال المجادلين وتنكبهم عن جادة الهداية والصواب ، وكذلك في اغواء للآخرين ، حيث تنطفئ أنوار الهداية في تلك الأوساط ، وتتقوى أسس ودعائم حاكمية الباطل . في النهاية ، وبسبب عدم تسليم هؤلاء أمام الحق ، تقرر الآية قوله تعالى : كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ( 3 ) . أجل ، إن العناد في مقابل الحق يشكل ستارا مظلما حول فكر الإنسان ، ويسلب منه قابليته على التشخيص الهادي الصحيح ، بحيث ينتهي الأمر إلى أن

--> 1 - ( الذين ) هنا بدل عن " مسرف مرتاب " إلا أن المبدل عنه مفرد ، في حين أن البدل جاء على صيغة الجمع ! السبب في ذلك أن الخطاب لا يستهدف شخصا معينا وإنما يشتمل على النوع . 2 - فاعل " كبر " هو ( الجدال ) حيث نستفيد ذلك من الجملة السابقة ، أما " مقتا " فهي تمييز ، فيما يرى بعض المفسرين أن الفاعل هو " مسرف مرتاب " إلا أن الرأي الأول أفضل . 3 - " متكبر جبار " وصف للقلب ، وليست وصفا لشخص ، بالرغم من أنها مضافة . إشارة إلى أن أساس التكبر والتجبر انما ينبع من القلب ، ولأن القلب يسيطر على كل أعضاء ووجود الإنسان ، فإن كل الوجود الإنساني سيكتسي هذا الطابع الفاسد البذئ .